تتداعى الترتيبات الأمنية والجيوسياسية التقليدية في الشرق الأوسط بشكل متسارع، وسط تحولات هيكلية تشهدها إستراتيجية التواجد الأمريكي وتراجع قدرة واشنطن على الاضطلاع بمسؤوليات القيادة الدولية أو توفير الضمانات الأمنية لحلفائها.
وفي قلب هذا التحول الإقليمي الحرج، تجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام أزمة أمنية وجيوسياسية مركبة؛ جراء تزايد ضغوط الهجمات الإيرانية والقوات الموالية لها من عدة جبهات متزامنة، في وقت تتقلص فيه الخيارات العسكرية الأمريكية للتدخل المباشر.
أزمة التغطية الأمنية وتهديد خطوط الإمداد الحيوي
تعيش الرياض حالة من العزلة الاستراتيجية الناجمة عن تراجع الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية التي شكلت ركيزة أمنها لعقود. وعلى الرغم من الاتصالات المستمرة والمحاولات السعودية المتواصلة للتحرك الدبلوماسي والعسكري — بما في ذلك الاجتماع الذي عقده قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في جدة مع وفد سعودي رفيع ضم ولي العهد — إلا أن واشنطن لم تبدِ نية أو قدرة على تقديم إسناد عسكري مباشر يحسم المواجهات.
وتتفاقم هذه المخاطر مع التسارع الميداني لقوات جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن؛ إذ يمتد نفوذها نحو المناطق الجنوبية وصولاً إلى السيطرة على عدد من الجزر الحيوية، لتسيطر فعلياً على نحو ثمانين في المئة من السكان والموانئ والمطارات الرئيسية. وقد انعكس هذا التدهور في استهداف المناطق الحدودية الجنوبية للمملكة، حيث أدت الهجمات الأخيرة إلى إصابة أكثر من سبعين شخصاً.
ولم تقتصر التهديدات على الجبهة الجنوبية، بل امتدت شمالاً وشرقاً؛ إذ شنت ميليشيات عراقية مدعومة من إيران هجمات استهدفت خط أنابيب النفط “شرق – غرب” في السعودية، مما ألحق به أضراراً بالغة أجبرت السلطات على إغلاقه. وتكمن الخطورة الاستراتيجية لهذا الخط في كونه الشريان البديل الأساسي لنقل النفط السعودي نحو البحر الأحمر لتفادي إغلاق مضيق هرمز. ومع اتساع الحصار البحري الحوثي واستهداف حركة الناقلات — والتي أسفرت مؤخراً عن استهداف ناقلة في خليج هرمز ومصرع بحارين، إضافة لاستهداف ناقلات سابقة في البحر الأحمر — باتت الحركة الملاحية عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر مهددة بالإغلاق التام أمام الصادرات السعودية، ما يضع سوق الطاقة العالمي أمام تداعيات خطيرة.
كلفة الضغوط الأمريكية ومعضلة التوازنات العسكرية
تتضاعف ضغوط الرياض في ظل موقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي يُنظر إليها كعائق إضافي يثقل كاهل المملكة بدلاً من تقديم الدعم المفترض، وصولاً إلى استعادة قراءة السفير الأمريكي السابق لدى الرياض مايكل راتني الذي اعتبر أن المملكة تواجِه أسوأ سيناريو جيوسياسي ممكن. ورغم الاستثمارات الضخمة والتفاهمات الاقتصادية التي عقدها ولي العهد السعودي مع الإدارة الأمريكية، تشعر الرياض بخيبة أمل لعدم ترجمة هذه الاستثمارات إلى حماية أمنية فعلية في أوقات الأزمات.
وكانت السعودية وقطر قد أبدتا معارضة منذ اليوم الأول للحرب التي أطلقتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران في 28 فبراير، وقاومت الرياض محاولات ترامب لجرها إلى تلك المواجهة، مما أثار حفيظة ترامب الذي اعتبر أنه تُرك بمفرده في مواجهته مع طهران.
وتُعزى الحسابات العسكرية الأمريكية إلى خشية واشنطن من إنهاك خطوط دفاعها واستنزاف قدراتها؛ إذ إن الانخراط في عمل عسكري واسع النطاق في اليمن سيتطلب تشغيل منظومات دفاعية وإطلاق صواريخ مكثفة عبر ثلاث جبهات متزامنة: الخليج العربي، واليمن، وجبهة شرق المتوسط (إسرائيل والأردن). ولا تتيح مخزونات واشنطن الحالية من صواريخ “توماهوك” و”باتريوت” و”ثاد” الدخول في حرب متعددة الجبهات واسعة الجغرافيا.
وفي الوقت الذي يكتفي فيه ترامب بمنح الرياض الضوء الأخضر لتحرك منفرد في اليمن، تتجنب السعودية الدخول بمفردها لتفادي تكرار تجربة عام 2015 التي تحولت إلى مستنقع استنزف قدراتها لأكثر من عشر سنوات. وعلى صعيد الروايات السياسية، برز تناقض لافت عقب تصريحات ترامب حول تلقي اتصالات من الحوثيين تطلب تجنب الحرب مع أمريكا، وهو ما نفته الجماعة قاطعاً مؤكدة عدم وجود أي تواصل من هذا القبيل.
إعادة رسم التحالفات ومساعي الشراكات البديلة
أمام هذا الاستقطاب، تسعى طهران إلى فرض واقع يجبر دول المنطقة على التعامل المباشر معها ودفع واشنطن إلى الانسحاب الكامل من الخليج، مستغلة تعرض السعودية لهجمات متزامنة من الشرق والجنوب والشمال. إلا أن المحاولات السعودية لفتح قنوات تفاوض مع طهران تصطدم بشروط إيرانية متصلبة، خصوصاً بشأن السيطرة على مضيق هرمز ومطالبة الرياض بإنهاء التواجد العسكري الأمريكي على أراضيها وسحب قواتها وطائراتها كاملاً. وقد أدى هذا التصلب إلى إلغاء محادثات كانت مقررة يوم الاثنين بين إيران ودول الخليج قبل انطلاقها بيوم واحد.
وفي ظل تراجع المظلة الأمنية التقليدية، خطت الرياض خطوات نحو إعادة ترتيب أوراقها الإقليمية، حيث وقعت “ميثاق مكة الدفاعي” مع كل من تركيا وباكستان. غير أن تفعيل الميثاق يواجه قراءات متباينة؛ إذ صرح وزير الدفاع الباكستاني بأن تفعيل الاتفاقية مرهون بانتشار التداعيات وامتداد الهجمات إلى داخل العمق السعودي. بالتوازي مع ذلك، وجهت السعودية طلباً لأكثر من خمسين دولة — بينها تركيا وباكستان — لتعزيز التعاون البحري ضد القرصنة والإرهاب في البحر الأحمر، وهو ما لقيت فيه استجابة إيجابية من أنقرة دون تبلور طبيعة الدعم النهائي بعد.
على الجانب الخليجي، تتجلى مظاهر الانقسام الداخلي؛ حيث اتخذت دولة الإمارات مساراً مستقلاً عن الرياض عبر الخروج الفعلي من توافقات أوبك وتوثيق علاقاتها المباشرة مع إسرائيل. في حين تفتقر باقي دول الخليج (الكويت، قطر، البحرين، وعمان) إلى الإمكانيات العسكرية الكافية لتلبية الاحتياجات الأمنية السعودية. كما تراجعت قدرة الدول الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، وألمانيا) عن تقديم دعم فعال في الشرق الأوسط نظراً لانهماكها في أزماتها الداخلية والتهديدات المحاذية لحيويتها الإقليمية.
الاستراتيجية الصينية والتدافع حول الفراغ الجيوسياسي
يخلق الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة فراغاً جيوسياسياً تسعى طهران لاستغلاله لتثبيت نفوذها في الخليج، مراهنة على فارق القوة العددي والعسكري بينها وبين دول الخليج الصغيرة التي تعتمد في تشغيل أسلحتها على كوادر أجنبية كباكستانيين. وتستند هذه التطلعات الإيرانية إلى امتداد تاريخي يعود لعهد الشاه، تدعمه بعد عام 1979 دوافع أيديولوجية وسعي لتصدير نموذجها السياسي والاستحواذ على حقول النفط والغاز في المنطقة.
في المقابل، تتبنى الصين استراتيجية قائمة على الترقب والحذر؛ فرغم كونها الشريك التجاري الأكبر لدول المنطقة، إلا أن بيكين تتجنب الدخول في صراعات مباشرة أو الدخول في مبيعات أسلحة ثقيلة مثل الطائرات المقاتلة. ومع ذلك، تعمل الصين على استغلال التراجع الأطلسي عبر تقديم دعم غير مباشر لإيران، يشمل توريد مئات الصواريخ المحمولة على الكتف (منباد)، وتوفير الدعم عبر الأقمار الصناعية، وتزويد طهران بوقود الصواريخ، مما يسهم في إرباك الحسابات الأمريكية واستنزاف قدراتها.
الجذور التاريخية وامتداد الأزمة إلى أوروبا
إن أزمة التراجع الأمريكي في الشرق الأوسط ليست وليدة اللحظة، بل تمثل مساراً استراتيجياً متوقعاً منذ سنوات؛ إذ أشارت تحليلات متخصصة — مثل ما نُشر في دورية “فورين أفيرز” أواخر عام 2015 تحت عنوان “الشرق الأوسط ما بعد أمريكا” — إلى عدم قدرة واشنطن على الاستمرار في إدارة المنطقة. كما كشف كتاب “كل أمة لنفسها” لإيان بريمر عام 2012 عن تشكل عالم “G-Zero” الذي يتعذر فيه على قوة واحدة أو تحالف مثل “الناتو” فرض الاستقرار الدولي. ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان انسحاب واشنطن الفوضوي من أفغانستان تحت إدارة بايدن، والذي جسد الحدود الفعلية للقدرة العسكرية الأمريكية.
ولا تقتصر تداعيات هذا الانكماش على الشرق الأوسط، بل تمتد لتلقي بظلالها على أوروبا؛ حيث يضع التراجع الأمريكي الدول الأوروبية في مواجهة مباشرة مع التحديات الأمنية الروسية. ويفرض هذا الواقع تحولات جذرية في عقيدة التسليح لدى ألمانيا، وسط استقطاب تقوده بريطانيا وفرنسا لدفعه ألمانيا إلى خطوط المواجهة الأولى. ومع تداعي القدرة الاستيعابية لجبهة أوكرانيا، تتجه الأنظار نحو تشكل جبهة جديدة على حدود البلطيق وبولندة، حيث ينتشر لواء مدرع ألماني يضم نحو 5000 جندي في ليتوانيا في موقع حرج بين كالينينغراد وبيلاروسيا.
موقع تركيا الاستراتيجي ومآلات الاستقرار الإقليمي
تجد تركيا نفسها في موقع جيوسياسي حساس يقع بين أزمتين متفجرتين في أوروبا والشرق الأوسط. وتتابع أنقرة التطورات المتسارعة بحذر استراتيجي، بالنظر إلى أبعادها التاريخية في منطقة الخليج ومصالحها المحاذية في العراق وسوريا المتروكة في حالة من عدم الاستقرار، إلى جانب مخاوفها من تعطل حركة الملاحة في البحر الأحمر وتوسع الصراع ليشمل اليمن وإيران ولبيان.
ويسلط هذا المشهد الضوء على دخول المنطقة مرحلة جديدة تتسم بتفكك الأطر الأمنية القديمة، وغياب القدرة التنظيمية للقوى الكبرى، مما يترك دول المنطقة أمام خيارات حاسمة لبناء توازناتها الذاتية وإدارة أزماتها في بيئة شديدة التعقيد.

