شهدت حفلات التخرج في عدد من الجامعات التركية خلال الأسابيع الأخيرة تحوّلًا غير مسبوق إلى ساحات احتجاج سياسي، إذ عبّر الطلاب عن غضبهم تجاه ما وصفوه بـ”تغوّل السلطة التنفيذية” و”قمع المعارضة”، وذلك في أعقاب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، وسحب شهادته الجامعية بقرار مفاجئ ومثير للجدل.
خلفية الحدث: اعتقال سياسي أم ملاحقة قضائية؟
في 19 مارس 2025، تم اعتقال إمام أوغلو، القيادي البارز في حزب الشعب الجمهوري والمرشح الأوفر حظًا لمنافسة الرئيس رجب طيب أردوغان في انتخابات 2028، بتهم تتعلق بالفساد. إلا أن المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان اعتبرت التهم مسيسة وتهدف لإقصائه سياسيًا قبل الانتخابات.
في خطوة أثارت غضباً واسعًا، قامت جامعة إسطنبول — قبل يوم واحد فقط من اعتقال إمام أوغلو — بسحب شهادته الجامعية التي حصل عليها منذ 31 عامًا، مما حرمه قانونيًا من الترشح أو شغل مناصب رسمية، وهو ما زاد من حدة الاتهامات بتوظيف القضاء والأكاديميا في الصراع السياسي.
مشهد احتجاجي واسع من أنقرة إلى إسطنبول
تحولت حفلات التخرج إلى ما يشبه المظاهرات الجماعية داخل الجامعات. فقد رفع الخريجون شعارات ولافتات تعبّر عن رفضهم للقرارات السياسية الأخيرة، وسط هتافات تتحدى السلطات وتؤكد على رفض “الاستبداد الأكاديمي والسياسي“.
جامعة الشرق الأوسط التقنية – أنقرة
امتلأ ملعب ديفريم الشهير بلافتات ساخرة ومباشرة تتعلق بإمام أوغلو، من بينها: “لا يمكن حذف الشهادة بي دي أف”، و”أزمة الدبلومسي”، كما قوبل رئيس الجامعة أحمد يوزغاتليغيل، المُعيّن بمرسوم رئاسي في أغسطس 2024، بصخب واحتجاج متواصل أثناء كلمته التي لم تتجاوز خمس دقائق، وسط هتافاتوصافرات الطلاب المستمرة.
جامعة إسطنبول
تحولت مراسم تخرج كلية الحقوق لجامعة إسطنبول إلى احتجاج صاخب، حيث قرع الطلاب على الطاولات ومنعوا الكلمات الرسمية من الاستمرار، علمًا أن الجامعة التي ألغت شهادة إمام أوغلو في مارس كانت محورًا لاهتمام إعلامي كبير، حيث اعتُبرت الخطوة ضربة قانونية مقصودة لإقصائه من المشهد السياسي.
جامعة إسطنبول التقنية
قام الطلاب في حرم أيزاعة بإدارة ظهورهم لرئيس الجامعة حسن مندال أثناء كلمته، وسط تصفيق طويل وصافرات استهجان. وفي حرم طاشكيشلا التابع لكلية الهندسة المعمارية، قاطع الطلاب كلمات العمداء بهتافات موحدة وتصفيق جماعي.
بوعزيزي الجامعات التركية: دبلوما يُمزَّق على المنصة
في موقف رمزي قوي، مزق خريج علم الاجتماع في جامعة بوغازيتشي، دوروك دوروجو، شهادته الجامعية على المسرح، قائلاً: “هذه الشهادة باطلة… لا أعترف بشرعية هذا النظام المستبد.”
وقد اعتُقل دوروجو في اليوم التالي خلال مداهمة أمنية، ثم أُطلق سراحه لاحقًا بشروط قضائية شملت منع السفر خارج البلاد
ما بعد مارس: استمرار الاعتقالات بحق الطلبة
منذ احتجاجات مارس التي اندلعت عقب اعتقال إمام أوغلو، تم احتجاز مئات الطلاب واعتقال العشرات، وفقًا لمصادر حقوقية، وسط تجاهل حكومي للتحذيرات الدولية بشأن حرية التعبير في المؤسسات الأكاديمية.
أزمة أكبر من جامعة: الديمقراطية في مهب الريح
يرى مراقبون أن سحب شهادة إمام أوغلو يمثل تحولًا خطيرًا في العلاقة بين الدولة والتعليم العالي، حيث باتت الجامعات أداة لتصفية الخصوم السياسيين.
كما يُنظر إلى التعيينات الرئاسية لرؤساء الجامعات على أنها جزء من هندسة شاملة لمؤسسات الدولة من قِبل السلطة التنفيذية، خصوصًا بعد التعديلات الدستورية التي عززت صلاحيات الرئاسة.

