تشهد تركيا موجة جديدة من الاعتقالات التي طالت موظفين حاليين وسابقين في وزارة الخارجية وعناصر من القوات المسلحة، في إطار الحملة المستمرة منذ أعوام ضد من تصفهم أنقرة بأنهم مرتبطون بحركة الخدمة (حركة فتح الله كولن).
ورغم مرور قرابة عقد على محاولة الانقلاب المثيرة للجدل، لا تزال السلطات تواصل ملاحقات واسعة النطاق، مستندة إلى اتهامات مثيرة للجدل ترتبط باستخدام تطبيقات ورسائل هاتفية، وسط انتقادات حقوقية داخلية ودولية.
اعتقال موظفي الخارجية: عمليات متزامنة في أربع ولايات
أفادت تقارير إعلامية بأن السلطات التركية اعتقلت ثمانية موظفين في وزارة الخارجية وستة آخرين من الموظفين السابقين بتهم الانتماء إلى حركة كولن. وجرت الاعتقالات في أربع ولايات بعد صدور مذكرات توقيف من مكتب المدعي العام في أنقرة.
الموقوفون يواجهون اتهامات باستخدام تطبيق “بايلوك”، الذي صنفته السلطات أداة للتواصل السري بين أنصار الحركة منذ محاولة الانقلاب في تموز/يوليو 2016، رغم أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قضت مرارًا بعدم اعتبار استخدام التطبيق جريمة. كما تشمل الاتهامات تواصلًا عبر الهواتف العمومية فيما يعرف بـ”تحقيقات الهاتف العمومي”، حيث تُبنى فرضية الإدانة على تسلسل الأرقام المتصلة من كابينة هاتفية واحدة دون وجود تسجيل لمحتوى المكالمات.
الملفت أن ستة من بين المعتقلين كانوا قد فُصلوا بموجب المراسيم الطارئة التي صدرت عقب إعلان حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب.
استهداف المؤسسة العسكرية: شبكة مزعومة داخل القوات المسلحة
بالتوازي مع حملة الخارجية، نفذت السلطات الأمنية عمليات واسعة ضد عناصر مرتبطة بالجيش. ففي ولاية قونية، أطلقت النيابة العامة تحقيقًا فيما سمته “البنية السرية للحركة داخل القوات المسلحة”، نتج عنه اعتقال واحد وعشرين شخصًا من أصل خمسة وعشرين صدرت بحقهم مذكرات توقيف، في مداهمات شملت سبع عشرة ولاية، من بينها أنقرة وإسطنبول وأنطاليا.
كما أمرت نيابة أنقرة باعتقال عشرة من ضباط وضباط صف في البحرية، بينهم عنصر واحد على رأس عمله والبقية سبق أن تم فصلهم من الخدمة. التحقيقات، كما في ملفات سابقة، استندت إلى سجلات “الهاتف العمومي” لاتهامهم بالتواصل مع مدنيين يشتبه في انتمائهم للحركة.
إرث الانقلاب الفاشل: مراسيم الطوارئ وحملة التطهير
منذ محاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو 2016، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ ونفذت عمليات تطهير غير مسبوقة طالت مختلف مؤسسات الدولة، خاصة الجيش والقضاء والدبلوماسية. أكثر من مئة وثلاثين ألف موظف عام أُقيلوا بموجب مراسيم استثنائية غير خاضعة لأي رقابة برلمانية أو قضائية، من بينهم آلاف القضاة وأعضاء النيابة العامة وعشرات الآلاف من العسكريين.
في عام 2019، تصاعدت المخاوف الحقوقية عقب اعتقال نحو مئة دبلوماسي سابق بتهمة الغش في امتحانات القبول. وأفاد نائب حزب الشعوب الديمقراطي، عمر فاروق جرجرلي أوغلو، بأن بعضهم تعرضوا للتعذيب بما في ذلك اعتداءات جنسية باستخدام هراوات. وقد أكد تقرير نقابة المحامين في أنقرة هذه الشهادات، مشيرًا إلى تعرض المعتقلين للضرب وسوء المعاملة وإجبارهم على توقيع إفادات معدة مسبقًا. ورغم ذلك، رفض الادعاء العام في 2020 فتح أي تحقيق.
أرقام صادمة وملفات لم تغلق
وفق بيانات وزارة العدل التركية، صدرت منذ عام 2016 أحكام إدانة بحق أكثر من مئة وستة وعشرين ألف شخص بتهمة الارتباط بحركة كولن، ولا يزال أكثر من أحد عشر ألفًا خلف القضبان. بينما تستمر الإجراءات القضائية بحق أكثر من أربعة وعشرين ألفًا آخرين، في حين يبقى ثمانية وخمسون ألف شخص قيد التحقيق. آلاف آخرون اضطروا إلى مغادرة البلاد هربًا من الحملة، في حين لا تزال السلطات تصنف الحركة كمنظمة “إرهابية”، رغم نفيها المتكرر لأي صلة بالانقلاب أو ممارسة نشاط مسلح.

