لم تعد المواجهات التي شهدتها مدينة حلب شمالي سوريا حدثًا ميدانيًا محصورًا داخل الجغرافيا السورية، بل تحولت سريعًا إلى عامل ضغط مباشر على المشهد السياسي والأمني في تركيا. فالتصعيد العسكري الأخير أعاد خلط أوراق مسار السلام الدقيق الذي تحاول أنقرة تسويقه داخليًا مع الحركة الكردية المسلحة، في وقت تصفه الحكومة بأنه لحظة مفصلية لبناء “تركيا خالية من الإرهاب”.
تفاصيل الميدان: انسحاب كردي وسيطرة حكومية
بدأت المواجهات مطلع كانون الثاني في أحياء ذات غالبية كردية داخل حلب، حيث اندلعت اشتباكات استمرت أيامًا بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية. وانتهت الجولة باتفاق أفضى إلى انسحاب المقاتلين الأكراد ووضع الأحياء المتنازع عليها تحت سيطرة دمشق. الحصيلة كانت ثقيلة إنسانيًا، مع سقوط قتلى وتهجير واسع النطاق شمل عشرات الآلاف من السكان.
لاحقًا، توسعت رقعة التوتر شرق المدينة، بعدما أعلنت السلطات السورية مناطق واسعة “مناطق عسكرية مغلقة”، وسط تبادل اتهامات باستخدام الطائرات المسيّرة والقصف المدفعي بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية.
لماذا تقلق أنقرة؟
تكمن حساسية المشهد بالنسبة لتركيا في أن قوات سوريا الديمقراطية تشكل وحدات حماية الشعب عمودها الفقري، وهي جماعة تصنّفها أنقرة امتدادًا مباشرًا لحزب العمال الكردستاني، الذي خاض صراعًا مسلحًا مع الدولة التركية لعقود. ومن هذا المنطلق، ترى الحكومة التركية أن أي تحرك عسكري أو سياسي لهذه القوات على حدودها الجنوبية يندرج ضمن ملف الأمن القومي.
أنقرة كانت قد دعمت السلطات السورية الانتقالية في مساعيها لبسط السيطرة على كامل الأراضي السورية، واعتبرت ما جرى في حلب جزءًا من معركة أوسع ضد “الإرهاب”، وضغطت في الوقت ذاته من أجل دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية وفق تفاهمات سابقة، إلا أن التنفيذ تعثر بسبب خلافات جوهرية تتعلق بمطالب الحكم اللامركزي.
السلام الداخلي تحت الاختبار
في الداخل التركي، جاءت تطورات حلب في توقيت بالغ الحساسية. فمسار السلام الذي انطلق بعد دعوة زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان إلى حل التنظيم وإلقاء السلاح، بات يواجه اختبارًا سياسيًا وإعلاميًا جديدًا.
الرئيس رجب طيب أردوغان حذّر من الانجرار وراء الاستفزازات، ودعا إلى حماية وحدة الأتراك والعرب والأكراد، مؤكدًا أن الجهة المخاطبة للقوات الكردية في سوريا يجب أن تكون الدولة السورية، وواصفًا ما حدث في حلب بأنه فرصة تاريخية لإدماج هذه القوات ضمن بنية الدولة. لكن هذا الخطاب لم يكن موحدًا داخل التحالف الحاكم. فزعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي تبنّى نبرة أكثر تشددًا، مهاجمًا قائد قوات سوريا الديمقراطية بالاسم، ومتهمًا إياه بالارتهان لأجندات خارجية، ومؤكدًا أن دعوة أوجلان تشمل جميع التشكيلات المسلحة الكردية، داخل تركيا وخارجها، مع رفض أي حديث عن تسوية مع ما يسميه “تنظيمًا إرهابيًا”.
الرواية الكردية: شكوك واتهامات
في المقابل، رأت القوى السياسية الكردية داخل تركيا أن ما جرى في حلب يقوّض الثقة بخطاب السلام. حزب المساواة والديمقراطية للشعوب حمّل أنقرة مسؤولية تغذية الصراع في سوريا، محذرًا من أن استهداف الأحياء الكردية ينعكس مباشرة على فرص السلام الداخلي. وذهب الحزب إلى مقارنات تاريخية ثقيلة، مستحضرًا أحداثًا دامية في الذاكرة الكردية الجماعية.
كما حذّرت جهات مرتبطة بمنظومة حزب العمال الكردستاني من أن التصعيد في حلب يضع وقف إطلاق النار ومساعي السلام موضع تساؤل، ويمنح مبررات لتشديد السياسات الأمنية داخل تركيا.
روايتان متقابلتان وصراع على المعنى
بينما تصرّ الحكومة التركية على أن ما حدث في حلب محاولة متعمدة لإفشال مشروع “تركيا بلا إرهاب”، ترى الأطراف الكردية أن الجمع بين خطاب الحوار واستخدام القوة يقوّض أي تسوية مستدامة. وفي الخلفية، يتعافى سكان حلب ببطء من آثار المعارك، مع عودة جزئية للنازحين وانتشار أمني واسع وأعمال لإزالة مخلفات القتال، وسط توتر لم ينتهِ بعد، واحتجاجات كردية في مناطق شمال شرقي سوريا تعكس عمق المخاوف من المرحلة المقبلة.
بين السلاح والسياسة… مفترق طرق
تصل أنقرة اليوم إلى مفترق حساس، حيث يتداخل مسار السلام الداخلي مع تطورات الميدان السوري. القوميون يرون أن أي مرونة تعني ضعفًا، فيما يحذّر الأكراد من أن القوة تُفرغ الحوار من مضمونه. وبين هذين الاتجاهين، يبقى خطر أن تتحكم الجبهات المفتوحة خارج الحدود بإيقاع القرار السياسي داخل تركيا.
الخلاصة:
اشتباكات حلب تجاوزت بعدها السوري لتصبح عامل اختبار حقيقي لمسار السلام التركي الكردي، في ظل تصادم روايات الأمن والحوار. مستقبل هذا المسار بات مرهونًا بقدرة أنقرة على الفصل بين حسابات الميدان ومتطلبات التسوية الداخلية.

