يرى البروفيسور صواش جنتش أن ملفات الفساد التي حاولت حكومة أردوغان عبرها محاصرة رؤساء البلديات المعارضين لم تلقَ صدى شعبياً، حتى داخل صفوف القاعدة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، حيث كشف استطلاع للرأي أن نصف مؤيديه تقريباً يعتبرون هذه المحاكمات مجرد خطوات سياسية لا صلة لها بالعدالة. أمام هذا الفشل، اتجهت الحكومة – وفق جنتش – إلى تكتيك جديد يقوم على صياغة اتهامات تحت عنوان “المنظمة الإجرامية“.
التسريبات التي نُشرت في صحيفة “صباح“ الموالية للحكومة تشير إلى إعداد لائحة اتهام من أكثر من ألف صفحة تضم نحو مئتي شخص، في محاولة لتقديم حزب الشعب الجمهوري – أكبر أحزاب المعارضة والفائز بالانتخابات البلدية الأخيرة – على أنه “جماعة إجرامية”. وبهذا، يسعى الخطاب الرسمي إلى تصوير أصوات ملايين الناخبين كأنها أصوات صبت في صالح كيان غير مشروع، وهو ما قد يفتح الباب أمام ملاحقات جماعية لأعضاء الحزب، ومنعهم من شغل وظائف في مؤسسات الدولة.
استهداف البلديات: الدافع الانتقامي
يشدد جنتش، عبر صفحته على يوتيوب، على أن استهداف رؤساء البلديات تحديداً يعود لكون المعارضة تمكنت من هزيمة أردوغان في الميدان المحلي، وخاصة في المدن الكبرى. ومن هنا، تحولت البلديات إلى ساحة “الانتقام السياسي”. ففي خطاب ألقاه أردوغان في تموز 2022، حذر من أن “من يخسر إسطنبول يخسر تركيا”، وهو ما يفسر الضغوط المتواصلة على بلديات العاصمة الاقتصادية للبلاد.
وتشير المعلومات إلى أن بعض البلديات المعارضة في إسطنبول وولايات أخرى تتعرض لضغوط مباشرة، حيث تمكّنت السلطة – بحسب جنتش – من استمالة بعض أعضاء المجالس البلدية ونقلهم إلى صفوف العدالة والتنمية، في مسعى لتحويل موازين القوى داخل هذه الإدارات المحلية.
قضية بايرام باشا: الترغيب قبل التهديد
أخطر ما في هذا السياق – بحسب جنتش – ما تكشّف حول محاولة استقطاب رئيس بلدية بايرام باشا حسن مطلو. إذ تفيد روايات بأن اتصالات سبقت توقيفه جرت بينه وبين قياديين من تحالف العدالة والتنمية والحركة القومية الحاكم، عرضوا عليه الاستمرار في منصبه لكن بصفة “رئيس بلدية منتمٍ للعدالة والتنمية”، ملوحين بإعفائه من الملاحقة.
ويرى جنتش أن هذا النموذج يجسد أسلوب “الترغيب والترهيب”، حيث تُعرض على المسؤول المعارض فرصة البقاء في منصبه شريطة الانخراط في صفوف الحزب الحاكم، وإلا فمصيره الملاحقة أو السجن.
ردود المعارضة: بين رسائل إمام أوغلو ومأزق المؤتمر العام
وسط هذه التطورات، أصدر أكرم إمام أوغلو رسالة اعتبر فيها أن تركيا تعيش بين خيارين: إما التحرر وبناء مستقبل مشترك، أو البقاء رهينة “أقلية صغيرة” تسعى لاستغلال مؤسسات الدولة من أجل مصالحها الخاصة. وأكد أن الخلاص لا يمكن أن يتحقق إلا عبر صناديق الاقتراع، رغم محاولات السلطة إغلاق هذا الطريق عبر القضاء.
وفي السياق ذاته، يعيش حزب الشعب الجمهوري أزمة تنظيمية مع السلطة القضائية، حيث طُعن في شرعية عقد مؤتمره العام أمام لجان الانتخابات ثم أمام المجلس الأعلى للانتخابات. وقد قبل المجلس الطعن وحدد موعد جلسة استثنائية، ما أثار جدلاً واسعاً حول ما إذا كان أكبر أحزاب البلاد سيتمكن من عقد مؤتمره من عدمه.
أزمة الثقة الشعبية: “لا أحد قادر على الحل“
يلفت البروفيسور صواش جنتش إلى نتائج استطلاعات رأي أخيرة كشفت عن مؤشّر خطير: عند سؤال المواطنين عن الحزب القادر على حل مشكلات تركيا، جاءت النسبة الأكبر لصالح خيار “لا أحد”، متجاوزة جميع الأحزاب. ويرى جنتش أن هذا المعطى يكشف عن أزمة ثقة عامة بالطبقة السياسية، ما يفرض على المعارضة وضع برنامج واضح ومقنع قادر على استقطاب هذه الكتلة التي فقدت الأمل.
“القنبلة السياسية”: لقاء ترامب الابن بأردوغان
في موازاة التصعيد الداخلي، فجّر زعيم المعارضة أوزجور أوزيل مفاجأة بإعلانه أن نجل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زار القصر الرئاسي في أنقرة وعقد لقاءً سرياً مع أردوغان، لم تُنشر عنه أي صور أو بيانات رسمية. وبحسب جنتش، فإن ما يزيد الشكوك أن أردوغان عادة ما يستغل مثل هذه اللقاءات لإبراز نفسه كزعيم عالمي، فلماذا أُحيط هذا اللقاء بالسرية؟
أوزيل تحدث عن “صفقة” محتملة تخص القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن المعارضة تشتبه في أن الحديث دار حول مقايضات مرتبطة بملف غزة والعلاقات التركية الأمريكية. ويرى جنتش أن الاستدعاء السريع للرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى أنقرة بعد هذا اللقاء يعزز هذه الفرضية.
ازدواجية المواقف في الملف الفلسطيني
يؤكد جنتش أن الموقف التركي من الحرب على غزة يكشف تناقضاً صارخاً: ففي حين تتخذ دول أوروبية مثل إسبانيا واليونان وإيطاليا خطوات عملية لإرسال مساعدات أو حتى مقاطعة إسرائيل في المحافل الرياضية والثقافية، يكتفي أردوغان بخطابات داخلية موجهة إلى قواعده الإسلامية دون اتخاذ خطوات ملموسة. ويرى جنتش أن هذا السلوك يعكس حرص أردوغان على عدم إغضاب ترامب أو اللوبيات المؤثرة في الغرب، مقابل التزامه بمسار سلطوي داخلي توفر له واشنطن غطاءً سياسياً.
نحو مشهد سياسي مأزوم
خلاصة المشهد – كما يصفه جنتش – أن تركيا تعيش مرحلة تتسم بضعف شرعية السلطة الحاكمة، وتآكل خريطة النفوذ الانتخابي لحزب العدالة والتنمية الذي بات محصوراً في مناطق محدودة بوسط الأناضول وشرق البحر الأسود، مع اتساع نفوذ المعارضة في بقية المناطق. أمام هذا الواقع، يلجأ الحزب الحاكم إلى أدوات القضاء والأمن لتطويق خصومه، وإلى التحالفات الخارجية لتمرير صفقاته، بينما يظل الشارع التركي ممزقاً بين فقدان الثقة بالأحزاب والرغبة في التغيير عبر صناديق الاقتراع.

