في مشهد نادر داخل واحدة من أكثر المدن التركية محافظة وولاءً لحزب العدالة والتنمية الحاكم، نظّمت مجموعة من النساء وقفة احتجاجية أمام المقر الإقليمي للحزب في مدينة قونية وسط تركيا، للتنديد بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، واتهام الحكومة التركية بازدواجية المواقف حيال علاقاتها مع إسرائيل.
مدينة “الولاء السياسي” تتحول إلى ساحة اعتراض
تُعد قونية، الواقعة وسط الأناضول، معقلاً تقليدياً لحزب العدالة والتنمية (AKP) ومرآة للتيار المحافظ في تركيا، ونادراً ما تُسجل فيها مظاهر احتجاج علنية موجهة ضد الحكومة. لكن هذه المرة، جاء الحراك من نساء محليات حملن شعارات وهتفن ضد الصمت الرسمي تجاه معاناة الفلسطينيين، في خطوة كسرن بها حاجز الطاعة السياسية السائد في المنطقة.
إحدى المشاركات صرخت بغضب: “أعطيناهم أصواتنا، واليوم لا يسمحون لنا حتى بالدخول. هل أصبحنا إرهابيات؟“
الاحتجاج، الذي نظم أمام بوابة مقر الحزب، قوبل بإجراءات أمنية مشددة، حيث نصبت الشرطة حواجز أمنية لمنع المتظاهرات من الاقتراب، ما فاقم التوتر للحظات دون أن تسجّل اشتباكات.
ازدواجية الخطاب: غضب شعبي من استمرار العلاقات الاقتصادية
النساء المحتجات وجّهن انتقادات مباشرة لما وصفنه بـ”التناقض الصارخ” بين الخطاب السياسي التركي ضد إسرائيل، وبين ما يعتبرنه استمراراً غير معلن للعلاقات الاقتصادية والتجارية. فقد رفعن لافتات كتب عليها: “لا تصمتوا عن ظلم غزة“ و”لا نريد تجارة مع قتلة الأطفال“.
ويعكس هذا الحراك الشعبي المتنامي شعوراً بالخذلان لدى جزء من القاعدة المحافظة، التي دعمت حزب العدالة والتنمية على مدى عقدين، لكنها تشعر اليوم بالتناقض بين المواقف العاطفية المناصرة لفلسطين والخطوات الفعلية على الأرض.
من المقاطعة إلى الاتهام: تجارة السلاح في مرمى الانتقادات
في مايو 2024، أعلنت الحكومة التركية وقف جميع أشكال التجارة المباشرة مع إسرائيل، استجابةً لضغوط الرأي العام وموجة احتجاجات عارمة تخللت المدن التركية، تنديداً بالعدوان على غزة. إلا أن تقارير إعلامية واستقصائية لاحقة كشفت استمرار شحنات تجارية غير مباشرة، عبر أطراف ثالثة وشركات خاصة، ما أعاد إشعال الجدل.
كما واجهت الحكومة موجة جديدة من الانتقادات على خلفية مشاركة شركات دفاعية تركية في معرض الصناعات الدفاعية IDEF 2025، الذي استضاف متعاقدين دوليين متهمين بتزويد إسرائيل بتقنيات عسكرية. وقد اعتُقل ما لا يقل عن16 ناشطاً في إسطنبول هذا الأسبوع، لمجرد مشاركتهم في مظاهرة ضد المعرض، واتُهم بعضهم بإهانة الرئيس رجب طيب أردوغان.
الخطاب الرسمي التركي: انتقادات لاذعة لإسرائيل… بلا قطيعة
الرئيس أردوغان وجّه اتهامات مباشرة لإسرائيل منذ اندلاع الحرب في غزة، حيث وصف مراراً العمليات العسكرية الإسرائيلية بـ”الإبادة الجماعية”، وشبّه سلوك حكومة بنيامين نتنياهو بما فعلته النازية في أوروبا. لكنه، في المقابل، أبقى على قنوات التواصل قائمة، رغم تجميد التبادل التجاري المباشر.
هذا التباين في السياسة الخارجية، بين الخطاب العاطفي المناصر لفلسطين والإبقاء على المصالح الاستراتيجية مع إسرائيل، بات يثير نقمة في صفوف القاعدة الشعبية التقليدية التي اعتادت الثقة الكاملة بالمواقف الرسمية.
المأساة مستمرة في غزة: أرقام صادمة وإدانة دولية
بدأت إسرائيل حملتها العسكرية على قطاع غزة عقب هجوم شنته حركة حماس في7 أكتوبر 2023، أسفر عن مقتل1,206 إسرائيليين وأسر نحو250 شخصاً.
لكن الرد الإسرائيلي، وفقاً لأرقام وزارة الصحة في غزة، كان كارثياً، إذ أسفر عن استشهاد أكثر من 59,000 فلسطيني، وجرح ما يزيد عن142,000 آخرين، في حصيلة هي الأكبر في تاريخ العدوان على القطاع.
وقد أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً في5 ديسمبر 2024، خلصت فيه إلى أن الانتهاكات الإسرائيلية ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك.

