وجه رئيس بلدية إسطنبول الموقوف والمرشح الرئاسي عن حزب الشعب الجمهوري، أكرم إمام أوغلو، انتقاداً لاذعاً للحكومة التركية بعد استبعادها من الإعلان المشترك للسلام بين أذربيجان وأرمينيا، الذي جرى التوصل إليه بوساطة أمريكية.
وفي بيان نشرته حملته الرئاسية عبر منصة “إكس”، وصف إمام أوغلو اتفاق الثامن من أغسطس، الموقّع بين الرئيس الأذري إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، بأنه “فرصة تاريخية” لإنهاء صراع دموي استمر لعقود وأودى بحياة الآلاف، معتبراً غياب أنقرة عن هذه العملية “ضعفاً خطيراً في الدبلوماسية التركية“.
خلفية الصراع ودور أنقرة التقليدي
تركيا لعبت دور الداعم العسكري والسياسي البارز لباكو في نزاعاتها مع يريفان، خاصة خلال حربي قره باغ. ومع ذلك، غابت هذه المرة عن المحادثات التي استضافتها واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة نادرة تمثل استبعاداً لأنقرة من مفاوضات رفيعة المستوى حول مستقبل جنوب القوقاز.
دعوة لإستراتيجية شاملة للسلام
إمام أوغلو دعا الحكومة التركية إلى الانخراط الفاعل في العملية السلمية، مشدداً على أن التطبيع مع أرمينيا، إلى جانب مشاريع البنية التحتية والنقل المشتركة، ينبغي أن تكون جزءاً من رؤية متكاملة لتحقيق استقرار دائم في المنطقة. وقال: “السلام الشامل في جنوب القوقاز لا يمكن أن يتحقق إلا برؤية جامعة“.
بنود الاتفاق ومشروع “طريق ترامب“
الاتفاق ينص على اعتراف كل من أذربيجان وأرمينيا بحدود الآخر، وتعزيز الروابط الاقتصادية وخطوط النقل، والتخلي عن استخدام القوة، والسماح بعبور غير مقيد بين أذربيجان وجيب ناخيتشيفان عبر الأراضي الأرمنية.
كما أطلق الطرفان مشروع “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي ” (TRIPP)، وهو خطة بنية تحتية تمتد لمدة تسعة وتسعين عاماً قابلة للتجديد، ستطورها وتديرها شركات أمريكية، وتشمل خطوط طرق وسكك حديد وأنابيب طاقة.
السياق العسكري والسياسي
الصراع بين باكو ويريفان تمحور لعقود حول إقليم ناغورنو قره باغ، المعترف به دولياً كجزء من أذربيجان. خلال حرب قره باغ الثانية عام 2020، استعادت أذربيجان معظم أراضي الإقليم بدعم تركي، وفي حملة عسكرية عام 2023 بسطت سيطرتها الكاملة عليه، ما أدى إلى نزوح أكثر من مئة ألف أرمني.
الموقف الرسمي التركي
الرئيس رجب طيب أردوغان أجرى اتصالاً هاتفياً مع علييف في التاسع من أغسطس لتهنئته على دوره في عملية السلام، فيما وصفت وزارة الخارجية التركية الإعلان بأنه “فرصة تاريخية” للسلام في جنوب القوقاز، مؤكدة أن الإرادة السياسية التي أظهرتها الأطراف في واشنطن تأتي في وقت يتصاعد فيه التوتر العالمي. أنقرة وجهت أيضاً الشكر للولايات المتحدة على وساطتها.
ملف إمام أوغلو السياسي والقضائي
إمام أوغلو، الذي يعد أبرز منافسي أردوغان في استطلاعات الرأي قبل أي انتخابات مبكرة محتملة، يواجه اتهامات بالفساد تعتبرها المعارضة ذات دوافع سياسية. اعتُقل في مارس الماضي، بعد يوم واحد من قرار جامعة إسطنبول إلغاء شهادته الجامعية البالغة من العمر 31 عاماً، وهو ما منعه عملياً من الترشح للمناصب العامة. حزب الشعب الجمهوري يعتبر هذه الخطوة محاولة لإقصاء أقوى مرشح معارض عن سباق الرئاسة المقرر عام 2028.
قراءة في التوقيت السياسي
استبعاد تركيا من الاتفاق يُقرأ داخلياً كصفعة دبلوماسية لحكومة أردوغان، في وقت تتصاعد فيه المواجهة السياسية مع المعارضة، خاصة بعد الاحتجاجات الكبرى التي أثارها اعتقال إمام أوغلو. ويشير محللون إلى أن غياب أنقرة عن طاولة المفاوضات في قضية تمس أمنها الإقليمي قد يعزز خطاب المعارضة حول تراجع النفوذ التركي في الملفات الاستراتيجية.

