تتجه الأنظار إلى مدينة إسطنبول، حيث تُعقد محادثات حساسة بين وفدي أفغانستان وباكستان في محاولة جديدة لتثبيت وقف إطلاق النار على الحدود المشتركة، بعد أسبوعين من أعنف المواجهات العسكرية بين الجانبين منذ سيطرة طالبان على الحكم في كابول عام 2021.
اللقاء، الذي يجري برعاية تركية وقطرية، يُعدّ اختبارًا حقيقيًا لقدرة البلدين على تجاوز دوامة التصعيد المتكرّر التي تهدّد استقرار جنوب آسيا.
جذور التصعيد: تفجيرات كابول وانفجار المواجهة الحدودية
بدأت الأزمة الأخيرة عقب سلسلة تفجيرات في العاصمة الأفغانية كابول، ألقت الحكومة التي تقودها طالبان مسؤوليتها على باكستان. وردًا على ذلك، شنّت القوات الأفغانية هجمات على مواقع حدودية، ما دفع الجيش الباكستاني إلى تنفيذ ضربات “دقيقة” داخل الأراضي الأفغانية استهدفت مجموعات مسلحة وصفها بأنها “تهديد مباشر للأمن القومي”.
هذه التطورات الدامية أسفرت عن مقتل عشرات الجنود والمدنيين من الجانبين، وأدّت إلى انهيار أكثر من هدنة مؤقتة، إلى أن تمكّنت الوساطة المشتركة بين قطر وتركيا من التوصل إلى اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار في الدوحة قبل أيام.
إسطنبول ساحة للتسوية: آمال معلّقة على الوساطة التركية
تُعقد الجولة الجديدة من المحادثات في إسطنبول بهدف تحويل الهدنة المؤقتة إلى اتفاق مستدام يضع “آليات واضحة” لضمان استقرار الحدود ومنع تكرار الاشتباكات.
وكان وفد كابول، الذي يترأسه نائب وزير الداخلية حاجي نجيب، قد وصل إلى تركيا مساء الجمعة، في حين لم تُعلن إسلام آباد بعد عن أسماء ممثليها المشاركين، ما يعكس حساسية الملف والتجاذب الداخلي حول أسلوب التعامل مع طالبان.
تركيا، من جانبها، أشادت بقرار الطرفين العودة إلى طاولة التفاوض، مؤكدة التزامها “بدعم أي جهد إقليمي يعزز السلام والاستقرار”، في إشارة إلى رغبتها في لعب دور توازني جديد ضمن الترتيبات الأمنية الآسيوية بعد تراجع التأثير الغربي المباشر.
أولويات متباينة: السيادة أم الأمن الحدودي؟
يظهر من المواقف المعلنة أن كلاً من كابول وإسلام آباد يدخل المفاوضات من زاوية مختلفة.
الحكومة الأفغانية تعتبر أن أولويتها هي “حماية وحدة الأراضي الأفغانية” من أي تدخل عسكري خارجي، فيما تركز باكستان على مسألة “التهديدات العابرة للحدود” التي تشكلها حركة طالبان الباكستانية (TTP) التي تتهم كابول بإيوائها.
المحادثات في إسطنبول تهدف إلى إيجاد صيغة توازن بين هاتين المقاربتين، عبر اتفاق يتيح تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الجماعات المسلحة، بحيث تتولى طالبان التحرك ميدانيًا ضد المقاتلين المناهضين لإسلام آباد، بدل أن تقوم باكستان بعمليات عسكرية منفردة داخل أفغانستان.
العمق الإقليمي: من كابول إلى نيودلهي
تأتي هذه الأزمة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية؛ فاندلاع المواجهات تزامن مع زيارة وزير خارجية طالبان إلى الهند، في مؤشر على تغيّر معادلات النفوذ التي اعتادت باكستان استخدامها كورقة ضغط جيوسياسية.
ويرى مراقبون أن التوتر الأخير قد يعكس قلق إسلام آباد من تقارب متزايد بين طالبان ونيودلهي، وهو ما يفسّر حدة الرد العسكري الباكستاني ورغبة كابول في تأكيد استقلال قرارها الخارجي بعيدًا عن “الوصاية التاريخية” لباكستان.
التحليل الدبلوماسي: بين وساطة الضرورة وحسابات النفوذ
تُعد الوساطة التركية–القطرية الحالية محاولة لإعادة إدخال عنصر “الاستقرار الإقليمي” في معادلة مضطربة. فأنقرة تمتلك علاقات متوازنة مع الطرفين، وتستفيد من موقعها كعضو في حلف الناتو وشريك سياسي لطالبان في الوقت ذاته، بينما تعمل الدوحة على الحفاظ على قنواتها المفتوحة مع الحركة ومع واشنطن، ما يمنحها قدرة نادرة على التأثير في مسارات التهدئة.
ورغم هذه الجهود، يرى خبراء أن التفاهمات التقنية مثل بروتوكولات تبادل المعلومات أو إنشاء نقاط مراقبة مشتركة قد لا تكون كافية لمعالجة جذور الأزمة، التي تمتد إلى عقود من انعدام الثقة، والخلافات حول ترسيم الحدود، وتداخل الولاءات القبلية والسياسية على جانبي الخط الحدودي المعروف بخط “ديورند”.
أفق التسوية: تفاؤل حذر ومخاوف من عودة العنف
بينما يعلّق الوسط الدبلوماسي آمالًا على محادثات إسطنبول لتثبيت الهدنة، تُبدي الأوساط العسكرية في البلدين حذرًا واضحًا من انهيارها في أي لحظة، خصوصًا في ظل نشاط الجماعات المسلحة التي تستغل ضعف التنسيق الأمني.
النجاح في الاتفاق على آلية فعّالة لإدارة الحدود سيُعدّ اختبارًا حاسمًا لمستقبل العلاقات الأفغانية–الباكستانية، وقد يشكل نموذجًا لتسويات مشابهة في مناطق نزاع أخرى، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والضمانات الإقليمية اللازمة.

