دخلت العلاقات بين الجبل الأسود وتركيا مرحلة توتر غير مسبوقة بعد قرار حكومة بودغوريتسا تعليق نظام الإعفاء من التأشيرات للمواطنين الأتراك، في خطوة وُصفت بأنها متسرعة وغير محسوبة العواقب.
الرئيس ياكوف ميلاتوفيتش انتقد بشدة قرار حكومته، محذراً من أنه قد يضر بالعلاقات الثنائية، ويؤثر سلباً على مواطني الجبل الأسود المقيمين أو المترددين على تركيا، كما قد يغذي مشاعر الكراهية تجاه الأجانب داخل البلاد، خصوصاً بعد أعمال العنف التي شهدتها العاصمة بودغوريتسا نهاية الأسبوع الماضي.
خلفية القرار: حادثة عنف تتحول إلى أزمة دبلوماسية
بدأت الأزمة عقب حادثة طعن في العاصمة بودغوريتسا في الخامس والعشرين من أكتوبر، أُصيب خلالها شاب مونتينيغري يبلغ من العمر خمسةً وعشرين عاماً، ما أثار موجة من الغضب الشعبي.
على إثر ذلك، أعلنت الحكومة برئاسة ميلويكو سباييتش تعليق دخول المواطنين الأتراك بدون تأشيرة اعتباراً من اليوم التالي، عبر إجراء عاجل، مشيرة إلى دواع أمنية ومخاوف من تفاقم التوترات.
وجاء القرار رغم أن التحقيقات كشفت عن تورط شخصين، أحدهما تركي والآخر أذري، في الهجوم، وهو ما أثار تساؤلات حول سبب اقتصار العقوبة على المواطنين الأتراك دون غيرهم.
اتفاقية قديمة تتوقف مؤقتاً
منذ عام 2008، سمح اتفاق ثنائي بين أنقرة وبودغوريتسا لمواطني البلدين – من حاملي جميع أنواع الجوازات – بدخول أراضي الطرف الآخر دون تأشيرة لمدة تسعين يوماً خلال أي فترة من مئة وثمانين يوماً.
إلا أن التعليق المؤقت لهذا الاتفاق وضع مستقبل أكثر من أربعة عشر ألف مواطن تركي يعيشون في الجبل الأسود في دائرة الغموض، إلى جانب تأثر قطاع السياحة الذي يشهد إقبالاً تركياً متزايداً في السنوات الأخيرة.
الرئاسة تحذّر من تداعيات اقتصادية وسياسية
في بيان صادر عن مكتب الرئيس ميلاتوفيتش، جرى التحذير من “غياب التقدير الكافي لتداعيات القرار”، خصوصاً لجهة احتمال ردّ تركيا بالمثل، الأمر الذي قد يضر بالمواطنين المونتينيغريين الذين يعيشون أو يتلقون العلاج أو يمرّون عبر الأراضي التركية.
كما أشار البيان إلى أن الإجراء قد ينعكس سلباً على التعاون الاقتصادي القائم بين البلدين، في وقت تتطلع فيه بودغوريتسا إلى تعزيز شراكاتها التجارية والاستثمارية مع أنقرة.
أنقرة تراقب الموقف وتحذر من التصعيد
وزارة الخارجية التركية أعلنت أنها “تتابع التطورات عن كثب” وتبقي على قنوات الاتصال مفتوحة مع سلطات الجبل الأسود لضمان أمن المواطنين الأتراك.
في الوقت نفسه، أصدرت الخطوط الجوية التركية تحذيراً للمسافرين مفاده أن حاملي الجوازات العادية من تركيا سيخضعون لمتطلبات التأشيرة عند دخول الجبل الأسود اعتباراً من الثلاثين من أكتوبر 2025، موضحة أن طلبات التأشيرة ستُقدّم عبر السفارة المونتينيغرية في أنقرة والقنصلية العامة في إسطنبول، مع إتاحة خيارات استرداد أو تعديل التذاكر للمسافرين المتضررين.
انتقادات واسعة داخلية: “القرار تمييزي ومتسرع“
قوبل القرار الحكومي برفض من المعارضة والأقليات القومية ومنظمات المجتمع المدني التي وصفته بأنه “خطوة عاطفية تفتقر إلى التقييم الموضوعي”، معتبرة أنه يهدد النسيج الاجتماعي المتعدد في البلاد ويغذي النزعات القومية.
نائب رئيس الوزراء للشؤون الخارجية إرفين إبراهيموفيتش، وهو زعيم حزب الأقلية البوسنية، قال إن الإجراء “سابق لأوانه” وقد يقوّض العلاقات التاريخية مع أنقرة، فيما انضمت أحزاب الأقلية الألبانية في الائتلاف الحاكم إلى الموقف نفسه.
في المقابل، دافع وزير الداخلية دانيلو شارانوفيتش عن توجه الحكومة نحو تشديد شروط الإقامة والعمل للأجانب، استجابة للضغوط المتزايدة من الرأي العام عقب الأحداث الأخيرة.
تصاعد خطاب الكراهية وأحداث عنف ميدانية
شهدت العاصمة بودغوريتسا احتجاجات عنيفة عقب الهجوم، حيث هاجمت مجموعات من الشبان أحياء يسكنها أتراك، وردّدوا شعارات معادية لتركيا.
كما تم تدمير حانة يملكها رجل أعمال تركي وإحراق سيارة تابعة لشركة تركية، في حين سُجّلت مسيرات أخرى استهدفت متاجر ومطاعم يديرها مهاجرون.
نشطاء حقوق الإنسان في الجبل الأسود، بينهم ميلينا بوبوفيتش سمارديتش ودينا بايرامسباهيتش وجوفانا ماروفيتش، دعوا إلى وقف خطابات الكراهية، مؤكدين أن “جريمة فردية لا تبرّر معاقبة جماعية ولا تمييزاً على أساس الجنسية“.
خلفية سياسية مركبة وحكومة ائتلافية هشة
تأتي هذه الأزمة في ظل حكومة ائتلافية هشة تشكّلت بعد الانتخابات البرلمانية لعام 2023، وتضم أحزاباً ذات توجهات متباينة، منها الموالية لأوروبا، والأخرى المقربة من الصرب، إضافة إلى أحزاب الأقليات الألبانية والبوسنية.
ويخشى مراقبون أن يؤدي هذا القرار إلى تعميق الانقسامات داخل الائتلاف الحاكم وإرباك السياسة الخارجية للجبل الأسود التي تحاول الموازنة بين الانفتاح على الاتحاد الأوروبي والحفاظ على علاقات مستقرة مع تركيا.

