نفى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما تردد من مزاعم حول نية بلاده تسليم السيطرة على احتياطات الأتربة النادرة في ولاية إسكيشهير إلى أي دولة أجنبية، مؤكداً أن موقع “بيليكوفا” سيبقى بالكامل تحت السيادة الوطنية التركية.
وجاء نفي أردوغان بعد أن وجّه نواب من أحزاب المعارضة اتهامات للحكومة بتعمد تأخير تطوير المنجم، بهدف تمهيد الطريق أمام شركات أمريكية للحصول على امتيازات خاصة في إطار تفاهمات اقتصادية غير معلنة.
الرئيس التركي، عقب اجتماع لمجلس الوزراء، وصف هذه المزاعم بأنها “ادعاءات كاذبة ودوافعها سياسية”، مضيفاً أن “حقل بيليكوفا لن يُمنح لأي دولة كانت، ومن يردد مثل هذه الأكاذيب إنما يسيء إلى بلده“.
اكتشاف استراتيجي وتحول في سياسة الموارد
تعود قصة هذا المنجم إلى عام 2022 حين أُعلن عن اكتشاف واحد من أكبر مكامن الأتربة النادرة في العالم في منطقة بيليكوفا بولاية إسكيشهير، ليُفتتح بعد عام منشأة تجريبية تديرها شركة “إيتي معدن” الحكومية، المتخصصة في التعدين وإدارة الموارد الاستراتيجية.
أردوغان أوضح أن تطوير الحقل يدخل ضمن خطة وطنية أوسع تهدف إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي في مجالي الطاقة والتكنولوجيا، مؤكداً أن أنقرة تعمل لتكون بين أكبر خمس دول منتجة للعناصر النادرة في العالم.
الاحتياطات المؤكدة في الموقع تُقدّر بمئات الملايين من الأطنان من المعادن الاستراتيجية، أبرزها السيريوم والبرازوديميوم والنيوديميوم، التي تدخل في صناعة السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والأنظمة الدفاعية والإلكترونيات الدقيقة، إلى جانب عناصر أخرى مثل السكانديوم والأوروبيوم والإتريوم، التي تعد أساسية في الصناعات الجوية وتقنيات الشاشات.
شراكات غربية محتملة ومفاوضات دقيقة
التحركات التركية الأخيرة تشير إلى رغبة في بناء شراكات متوازنة مع الدول الغربية. فقد بدأت أنقرة مشاورات مع الولايات المتحدة لتطوير مشاريع مشتركة في مجال الاستخراج والتكرير، أعقبت لقاءً بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب وأردوغان في البيت الأبيض الشهر الماضي.
كما تجري محادثات موازية مع كندا وسويسرا حول احتمالات التعاون في مجالات التقنية والمعالجة الصناعية، بعد أن تعثرت مفاوضات سابقة مع الصين وروسيا بسبب الخلاف على شروط نقل التكنولوجيا وحقوق التكرير.
وتسعى تركيا في هذا السياق إلى الحصول على اعتماد وفق كود JORC، وهو معيار دولي لتصنيف الموارد المنجمية يهدف إلى تعزيز الشفافية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
تفاصيل العمليات الميدانية في بيليكوفا
أردوغان أشار إلى أن أعمال الحفر شملت أكثر من ثلاثمئة موقع تغطي ما يقارب مئة وخمسة وعشرين ألف متر، وكشفت عن نحو سبعمئة مليون طن من الموارد، أغلبها من معادن الباريت والفلوريت.
وأوضح أن شركة “إيتي مادِن” أنشأت منشأة تجريبية قادرة على معالجة نحو ألف ومئتي طن من الخام سنوياً، في خطوة تهدف إلى اختبار الجدوى الصناعية قبل الانتقال إلى مرحلة الإنتاج الواسع.
الرئيس التركي شدد على أن أحد أهداف السياسة الاقتصادية الجديدة هو تسويق الموارد المعدنية في الخارج بما يحقق أعلى قيمة مضافة، وليس مجرد تصدير المواد الخام دون تصنيع.
اتهامات المعارضة ورد الحكومة
الجدل السياسي اشتعل بعدما كشف نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، دنيز يافوز يلماز، عن تقرير تدقيق مالي يعود لعام 2023 يشير إلى غياب منشآت معالجة رغم مرور سنوات على اكتشاف الحقل. واعتبر أن هذا “التأخير المتعمد” يفتح الباب لتسليم الثروات النادرة إلى الولايات المتحدة بشروط غير معلنة.
من جانبه، حذّر زعيم الحزب، أوزغور أوزال، مما سماه “التفريط في الثروة المعدنية الوطنية”، داعياً المواطنين إلى رفض أي اتفاق قد ينتقص من السيطرة السيادية على الموارد الطبيعية.
سياق دولي: سباق السيطرة على عناصر المستقبل
تأتي هذه التطورات في وقت تتسابق فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتقليل اعتمادها على الصين في مجال الأتربة النادرة، وهي عناصر تمثل العمود الفقري لصناعات الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة.
الصين ما تزال تهيمن على نحو سبعين في المئة من الإنتاج العالمي، وتتجاوز نسبة تسعين في المئة في عمليات التكرير، ما يمنحها نفوذاً واسعاً في سلاسل التوريد الحساسة.
في المقابل، تحاول أنقرة استثمار موقعها الجغرافي وقدراتها الجيولوجية لتصبح لاعباً محورياً في هذا السوق العالمي، على أن تكون أي شراكات مشروطة بنقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي، بما يتسق مع نهجها في اتفاقاتها مع كبريات شركات الدفاع الأمريكية مثل “بوينغ” و”لوكهيد مارتن”.
من بكين إلى واشنطن: تحوّل في وجهة أنقرة
تركيا كانت قد وقّعت مذكرة تفاهم مع الصين في أكتوبر من العام الماضي لتطوير مشاريع مشتركة في مجال المعادن النادرة، إلا أن المفاوضات انهارت بسبب رفض بكين منح تراخيص نقل التكنولوجيا. ومع بداية العام الجاري، حوّلت أنقرة اهتمامها نحو واشنطن وشركاء غربيين آخرين، في مؤشر على إعادة تموضع استراتيجي داخل سباق عالمي محتدم على الموارد الحيوية.

