في ذروة التصعيد العسكري شمال سوريا، أبدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعمًا واضحًا لتحركات الجيش السوري، معتبرًا أن العمليات نُفذت بحذر وانضباط رغم ما وصفه بـ”الاستفزازات”.
وأكد أن دمشق تعاملت مع التطورات الميدانية بضبط للنفس، في وقت تشهد فيه مناطق متنازع عليها انسحابات وتغييرات سريعة في موازين السيطرة.
رسائل داخلية: تجنب الانزلاق العرقي والسياسي
وخلال كلمة ألقاها أمام نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم، شدد أردوغان على ضرورة تجنب أي خطوات من شأنها الإضرار بروابط “الأخوّة” بين العرب والأتراك والأكراد، محذرًا من الانجرار وراء استفزازات مرتبطة بالقتال الدائر في سوريا. الرسالة حملت بعدًا داخليًا واضحًا، في ظل حساسية الملف الكردي داخل تركيا وتداخله المباشر مع التطورات عبر الحدود.
اشتباكات حلب وتبدّل خطوط السيطرة
تأتي هذه المواقف عقب أيام من الاشتباكات العنيفة في محيط مدينة حلب، بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، التي تقودها فصائل كردية وتحظى بدعم الولايات المتحدة، وكانت تسيطر لسنوات على مساحات واسعة من شمال شرقي البلاد. هذه الاشتباكات أدت إلى موجات نزوح كبيرة، قبل أن تتمكن القوات الحكومية من التقدم إلى مناطق كانت خاضعة لسيطرة القوات الكردية.
اتفاق دمج ينهي مرحلة السيطرة المستقلة
في تطور مفصلي، توصلت قوات سوريا الديمقراطية إلى اتفاق مع الحكومة السورية يقضي بإخضاع السلطات المدنية والعسكرية الكردية لسلطة دمشق. وبحلول اليوم التالي، انتشرت القوات الحكومية في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة تلك القوات، ما أنهى فعليًا مرحلة الإدارة المنفصلة في عدد من النقاط الحساسة شمال البلاد.
الرؤية التركية: الأمن الحدودي ومسار السلام الداخلي
تنظر أنقرة إلى وجود قوات سوريا الديمقراطية على طول حدودها الجنوبية باعتباره عقبة رئيسية أمام تقدم أي مسار سلام داخلي مع حزب العمال الكردستاني. فتركيا تعتبر هذه القوات امتدادًا مباشرًا للحزب، الذي خاض تمردًا مسلحًا ضد الدولة التركية لعقود، وتُصنّفه أنقرة وحلفاؤها الغربيون تنظيمًا إرهابيًا.
من هذا المنطلق، رأت الحكومة التركية في الاتفاق السوري–الكردي خطوة مفصلية، ووصفتها بـ”المنعطف التاريخي”، معتبرة أن استقرار سوريا عنصر أساسي في استراتيجيتها الرامية إلى إنهاء التهديدات الأمنية داخل أراضيها.
دعم سياسي لدمشق بعد مرحلة ما بعد الأسد
الدعم التركي لتحركات دمشق يندرج ضمن تحالف أوثق مع القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، الذي وصل إلى السلطة عقب الإطاحة ببشار الأسد في عام 2024. وتُعد أنقرة الداعم الخارجي الأبرز للحكومة السورية الحالية، وتسوّق التقدم العسكري الأخير باعتباره جزءًا من مسعى أوسع لإعادة فرض سلطة الدولة المركزية بعد سنوات من الحرب.
التلويح بخيارات عسكرية تركية
ورغم الترحيب التركي بالاتفاق القائم، لم تُخفِ أنقرة استعدادها للجوء إلى عمل عسكري مباشر شمال سوريا في حال رفضت القوات الكردية الانضواء الكامل تحت سلطة الدولة السورية. هذا الموقف يعكس استمرار المقاربة الأمنية التركية، التي تربط بين التطورات الميدانية في سوريا وأمنها القومي الداخلي.
الخلاصة
إشادة أنقرة بالتحرك العسكري السوري تكشف تقاطعًا واضحًا بين أولويات الأمن الحدودي التركي ومساعي دمشق لإعادة بسط سيطرتها. غير أن هذا المسار يبقى محكومًا بتوازن دقيق بين تهدئة الداخل الكردي ومنع ارتدادات إقليمية أوسع.

